الشيخ محمد النهاوندي

23

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

متقلّص الشفتين ، خارج اللّثة ، عابس . وأمّا إبراهيم فو اللّه إنّه لأشبه الناس بي خلقا وخلقا » . فضجّوا وعظموا ذلك ، وصار بعضهم يصفّق ، وبعضهم يضع يده على رأسه متعجّبا ومنكرا ، قالوا : نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا ، أتزعم أنّك أتيته في ليلة واحدة ، واللات والعزّى لا نصدّقك . وارتدّ ناس ممّن كان آمن به ، وسعى رجال إلى أبي بكر ، فقال : إن كان قد قال ذلك فلقد صدق . قالوا : أتصدّقه على ذلك ؟ قال : إنّي أصدّقه على أبعد من ذلك ، فإنّي أصدّقه في خبر السماء في غدوة وروحة . وكان فيهم من يعرف بيت المقدس ، فقالوا : صف لنا بيت المقدس ، كم له [ من ] باب ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله : « فكربت كربا شديدا لم أكرب مثله [ قطّ ] ، لأنّهم سألوني عن أشياء لم أثبتها ، وكنت دخلته ليلا وخرجت منه ليلا ، فقمت في الحجر ، فجلّى اللّه لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه » ، فقالوا : أمّا النعت فقد أصاب . فقالوا : ما آية ذلك يا محمّد ؟ فقال عليه السّلام : « [ آية ذلك ] إنّي مررت بعير بني فلان بوادي الروحاء » وهو محلّ قريب من المدينة « قد أضلّوا ناقة لهم ، وانتهيت إلى رحالهم ، وإذا قدح ماء فشربت منه ، فاسألوهم عن ذلك » . قالوا : فأخبرنا عن عيرنا . قال : « مررت بها في التنعيم » وهو محلّ قريب من مكة « فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ، وأنها تقدم مع طلوع الشمس ، يتقدّمها جمل أورق عليه غرارتان » أي جوالقان « 1 » « أحداهما سوداء ، والأخرى برقاء « 2 » » فابتدر القوم الثنية ، فقال قائل منهم : هذه واللّه الشمس قد أشرقت . فقال آخر : هذه واللّه العير قد أقبلت ، يتقدّمها جمل أورق ، كما قال محمد ، عليه غرارتان ، فتاب المرتدّون وأصرّ المشركون ، وقالوا : إنّه ساحر « 3 » . ثمّ اعلم أنّ معراج النبي صلّى اللّه عليه وآله مرّة ببدنه العنصري من ضروريات دين الاسلام ، والأخبار به متواترة ، وإن كان تفصيل خصوصياته وقضاياه منقول بخبر الواحد ، فلا شبهة في أنّ إنكار أصله - كما نسب إلى عائشة ومعاوية - كفر وخروج عن ربقة الاسلام ، والتشكيك فيه بأن صعود الجسم الثقيل إلى السماوات وسرعة حركته إلى هذا الحدّ وخرق الأفلاك غير معقول ، إنّما نشأ عن الجهل بقدرة اللّه تعالى الكاملة . وأمّا في بعض الروايات من الأمور البعيدة عن الأنظار فمطروح أو موجّه بوجوه قريبة إلى الاعتبار .

--> ( 1 ) . الجوالق : وعاء من صوف أو شعر أو غيرهما . ( 2 ) . برقاء : لعلّه يريد بيضاء مشرقة كالبرق ، وفي روح البيان : أي فيها بياض وسواد ، أي جوالق مخطط ببياض . ( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 126 .